فخر الدين الرازي

19

تفسير الرازي

في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله * ( فإذا هم ) * تدل على التعقيب . الرابع : قوله * ( ينظرون ) * وفيه وجهان الأول : ينظرون يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم والثاني : ينظرون ماذا يفعل بهم ، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والخمود في مكان لأجل استيلاء الحيرة والدهشة عليهم . ولما بين الله تعالى هاتين النفختين قال : * ( وأشرقت الأرض بنور ربها ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : هذه الأرض المذكورة ليست هي هذه الأرض التي يقعد عليها الآن بدليل قوله تعالى : * ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) * ( إبراهيم : 48 ) وبدليل قوله تعالى : * ( وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ) * ( الحاقة : 14 ) بل هي أرض أخرى يخلقها الله تعالى لمحفل يوم القيامة . المسألة الثانية : قالت المجسمة : إن الله تعالى نور محض ، فإذا حضر الله في تلك الأرض لأجل القضاء بين عباده أشرقت تلك الأرض بنور الله ، وأكدوا هذا بقوله تعالى : * ( الله نور السماوات والأرض ) * ( النور : 35 ) . واعلم أن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه الأول : أنا بينا في تفسير قوله تعالى : * ( الله نور السماوات والأرض ) * أنه لا يجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى نوراً بمعنى كونه من جنس هذه الأنوار المشاهدة ، وبينا أنه لما تعذر حمل الكلام على الحقيقة وجب حمل لفظ النور ههنا على العدل ، فنحتاج ههنا إلى بيان أن لفظ النور قد يستعمل في هذا المعنى ، ثم إلى بيان أن المراد من لفظ النور ههنا ليس إلا هذا المعنى ، أما بيان الاستعمال فهو أن الناس يقولون للملك العادل أشرقت الآفاق بعدلك ، وأضاءت الدنيا بقسطك ، كما يقولون أظلمت البلاد بجورك ، وقال صلى الله عليه وسلم : " الظلم ظلمات يوم القيامة " وأما بيان أن المراد من النور ههنا العدل فقط أنه قال : * ( وجئ بالنبيين والشهداء ) * ومعلوم أن المجيء بالشهداء ليس إلا لإظهار العدل ، وأيضاً قال في آخر الآية بإثبات العدل وختمها بنفي الظلم والوجه الثاني : في الجواب عن الشبهة المذكورة أن قوله تعالى : * ( وأشرقت الأرض بنور ربها ) * يدل على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى الله تعالى ، ولا يلزم كون ذلك صفة ذات الله تعالى ، لأنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب ، فلما كان ذلك النور من خلق الله وشرفه بأن أضافه إلى نفسه كان ذلك النور نور الله ، كقوله : بيت الله ، وناقة الله وهذا الجواب أقوى من الأول ، لأن في هذا الجواب لا يحتاج إلى ترك الحقيقة والذهاب إلى المجاز . والوجه الثالث : أنه قد قال فلان رب هذه الأرض ورب هذه الدار ورب هذه الجارية ، ولا يبعد أن يكون رب هذه الأرض ملكاً من الملوك ، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع كونه نوراً . المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر في هذه الآية من أحوال ذلك اليوم أشياء : أولها : قوله * ( وأشرقت الأرض بنور ربها ) * وقد سبق الكلام فيه وثانيها : قوله * ( ووضع الكتاب ) * وفي